تضييق الفجوة الثقافية باستخدام الفن

تجربة قامت بها مهندسة سورية وفنانة تشكيلية في أمريكا
بقلم ديما كروما
ديما مهندسة معلوماتية من أصول سورية-ألمانية، من مصممي ومطوري شبكات الانترنت، هي زوجة وأم لطفلين، تقطن في فلوريدا/ جاكسونفيل. شاركت في عدة معارض فنية كونها من الرسامين الشغوفين بالفن. تجمع دينا بين الثقافات عن طريق لوحاتها لتكسر الحواجز وتشجع على سعة الأفق واحتواء الجميع.
يمكنك الإطلاع على معلومات أكثر من خلال موقعها الالكتروني: www.dimakroma.com
العنوان: أصداء العود – زيتي على القماش.
ملكية الصورة: ديما كروما
أنا من سوريا. ترعرعت فيها قبل الحرب مما يعني إقامة تجمع عائلي كبير كل نهاية إسبوع يضم الجميع في بيت جدتي حيث كانت تعزف لنا العود، وهي آلة موسيقية من الشرق الأوسط.
كما كان لي استنشاق عطر الياسمين الآتي من الحديقة ملئ رئتي كلما استيقظت في الصباح ممزوجًا بعبق القهوة بالهال.

العنوان: جزئ من حديقة شاليه أهلي الصيفي حيث تملأ شجرة الياسمين التي بجانب الباب الجو بعطرها.
ملكية الصورة: ديما كروما

سكنت في سوريا/حمص حتى تشرين الثاني 2010 عندما انتقلت إلى الولايات المتحدة لإتمام مراسم الزفاف مع خطيبي الذي كان يدرس الصيدلة في جامعة برديو.
كانت خطتي حينها، أن أعود إلى سوريا لعدة أيام بين فترة وأخرى كي أمضي الوقت مع والدي وأحصل على القليل من الراحة إثر ضغط العمل حيث أستمر بممارسة عملي عن بعد. عملت كمهندسة معلوماتية في مجال تطوير الشبكات وكان لي عملي الخاص في سوريا.
لم تكن خطتي على كل حال تعمل على أكمل وجه وكانت آخر زيارة لوالدي في سوريا عام 2011. لن أنسى هذه الرحلة الأخيرة ما حييت. لسوء الحظ، اندلعت الحرب الأهلية بينما كنت هناك. تركت العيارات النارية أعقابها في كل مكان بما فيها الجدران الخارجية لمنزل والدي والتي حولت المكان لمأساة كبيرة خلال أيام قليلة. شهدت فيها وللمرة الأولى معاينة رصاصة حقيقية.
عدت إلى الولايات المتحدة بفؤاد محطم فور إدراكي خطورة الوضع في سوريا. كانت جل ما اتمنى هو أن يكون والداي وكل من أحب بخير. علمتُ بكل الأحوال أنهم لم يتمكنوا من البقاء بإمان خلال فترة الحرب بأي شكل من الأشكال. كانت سلفًا قد استولت على حيوات العديد من أقاربي وأحبائي. تعرض معظم من عرفت للقتل، الخطف، الاعتقال، أو أن يكونوا قد فقدوا للأبد.
لم أتمكن من تخطي الذكريات الأليمة التي حطمت ذكرياتي في المنزل الجميل حتى بعد مغادرتي لسوريا. تمنيت كل ثانية أن يكون كل هذا محظ كابوس أتمكن من الاستيقاظ منه كي يعود كل شئ لطبيعته.
نشأت أكثر وحدة وخوف يومًا بعد يوم. عمل زوجي لساعات طويلة فكنت أقضي معظم اليوم بمفردي. قطعت الحرب قناة التواصل الوحيدة التي وصلت بيني وبين والدي – خط الهاتف والانترنت كذلك – بعد تفجير مدينة حمص التي كان يقطنها والدي.

العنوان: حمص – أكريلك على القماش.

ملكية الصورة: ديما كروما

كنت استعيد الذكريات المؤلمة كلما علمت بفرض الحصار على منطقة جديدة من سوريا. كان ذلك الشعور غريبًا كل الغرابة، لم أختبره يومًا في حياتي – حنين يهزني إلى الماضي. قادني هذا الإحساس بشكل فطري إلى فرشاة الرسم فبدأت أرسم الأماكن التي أشتقت إليها. كانت الفرشاة والقماش بمثابة الأصدقاء الأوفياء القدامى، وكانوا حينها، الملجأ الوحيد الذي احتواني.
قضيت ساعات طويلة في المكتبة عندما كنت أعجز عن الرسم، أقرأ محاوِلة أن أتشافى. علمني والدي في صغري، وهو جراح عظام وقارئ نهم، أن هنالك قوى شفائية خارقة قابعة بين رفوف الكتب في المكتبة. كان يحرص على تعليمي التحليق عن طريق القراءة من خلال استغلال مخيلتي لغرض اكتشاف ذاتي الداخلية.
استمتعت بالقراءة عن الفن، الشعر، المغامرات، الثقافات، التاريخ، العلوم، والتنمية البشرية. كنت ووالدي نناقش الكتب في عيادته بعد أن ينتهي من معاينة مرضاه. كان يصحبه في عيادته دومًا من أصدقاءه الشعراء والكُتّاب من أجل نادي الكتاب.
كنت أجد في طفولتي لذة عند استماعي لمناقشاتهم حول الكتب التي كانوا يتناولونها. امتلك والدي كذلك مكتبة كبيرة في المنزل والتي هويت التسلل إليها لغرض مطالعة الكتب بهدوء. أشعلت في أمريكا جميع تلك الذكريات الشوق في قلبي للقراءة والتي قادتني بشكل عفوي إلى قضاء معظم وقتي بين المكتبة العامة والاستوديو الخاص بي في منزلي.

العنوان: المكتبة الظاهرية في دمشق، سوريا، تأسست في 127 – زيت على القماش.

ملكية الصورة: ديما كروما.

إلتقيت يومًا ما سيدة في المكتبة حيث دنت مني كي تسألني “من أين أنت؟” أجبتها أنني من سوريا وأنني قدمت للولايات المتحدة منذ فترة قصيرة فقط. قالت لي “تتحدثين الإنجليزية بطلاقة، لا بد أنك شخص ذكي كي تكوني قد تعلمتي اللغة بهذه السرعة”. أخبرتها أنني بدأت بدراسة وتعلم اللغة منذ الابتدائية في سوريا. لاحظت بعدها مباشرة أن إجابتي قد أثارت استغرابها. فقالت لي “لم أعلم أنه بإمكان الفتيات ارتياد المدرسة في سوريا!” حاولت المحافظة على رباطة جأشي فأخبرتها أنني كنت أعمل كمهندسة. شكّل هذا مفاجأة أخرى بالنسبة لها. كنت مندهشة لجهل العالم بالسوريين، أو الأدهى أن تكون خلفيتهم عنّا محظ معلومات مغلوطة. كان ذلك حين قررت التحرك لإخبار الأمريكان عن قصتي وكان ذلك باستخدام ولعي — الرسم. صممت على استغلال فنّي كي أضيق الفجوة الثقافية وتوعية الناس بهويتنا وحيث أتينا. بدأت برسم موضوعات من ثقافة بلدي، عاداته، سكانه، تاريخه، وأكثر من ذلك. كما حرصت على أن تحمل كل لوحة قصة داخلها – قصة تتخطى حدود المكان والزمان لتأخذ الرائي برحلة إلى سوريا والشرق الأوسط. أردت أن أنشر الثقافة التي أحب وأعتز للعالم أجمع.

 

العنوان: قدح من الحنين – زيت على القماش.

ملكية الصورة: ديما كروما

بدأت منذ ذلك الحين برواية حكاياتي خلال إقامة المعارض الفنية ومن منصات مواقع التواصل الاجتماعي. أشهد كل واحدة من قصصي على شكل بيانات رقمية حاملةً بداخلها روح؛ تسافر شاقةً طريقها من عقل المشاهد حتى تطرق باب قلبه. تفاعل الناس أكثر مع الحكايات التي روتها اللوحات، وأبدى الكثيرين رغبتهم بمعرفة المزيد عن سوريا وثقافتها التي لم يعرفوا عنها إلا القليل. أخبرني البعض أن اللوحات قد غيرت إنطباعهم عن الشرق الأوسط وودّوا لو كانوا يعرفون تلك القصص منذ زمن.


العنوان: أنغام الهال – زيت على القماش.

ملكية الصورة: ديما كروما

بينما كنت أتجول في أحد المعارض الفنية التي كنت شاركت بها في 2019، وبعد روايتي قصصي للناس، كنت أشاهد أعمال الفنانين الآخرين الفنية. وجدت بعدها في أحد الأركان تجمع لعدد من الأشخاص حول رجل كان يروي عليهم قصصًا. فدنوت منهم مباشرة رغبة مني في الإنصات. أدركت بكل تعجب أنه كان يعيد إخبار قصصي ويشارك الآخرين دهشته وإعجابه بلوحاتي وكيف شكلت إلهامًا بالنسبة له. لقد كان هذا الرجل الرسول الذي نقل قصصي وتجاربي لأشخاص لم أعرفهم في حياتي قط. أدركت في تلك اللحظة أنني قد نجحت أخيرًا بتشكيل حلقة الوصل التي ربطت ثقافتي بالعالم الذي لم يعرفها جيدًا من قبل. شجعني هذا الأمر كما أعطاني القوة للمواصلة.
ما زلت مستمرة بتعزيز العلاقة الثقافية حتى خلال جائحة كورونا، وذلك من خلال منصات التواصل الاجتماعي. لقد شرعت بتقديم الشرق الأوسط بتاريخه إلى الأطفال من خلال مقاطع فيديو لقصص مصورة على “اليوتيوب”، بجانب مشاركتي لقصصي ولوحاتي. أؤمن بحتمية الهدف وراء كل شخص منا وقد ساعدني ولعي بالرسم على تحقيق هذا الهدف.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

*ترجمة: لبنى جمال
تم جمع القصص وتحريرها بواسطة منظمة WeaveTales.
تجمع WeaveTales قصص اللاجئين في جميع انحاء العالم ومشاركتها لتصحيح الروايات المغلوطة و تمكين اللاجئين من العثور على منزل آمن
www.weavetales.org

Leave a Reply

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

Translate »