الاستعداد لمنصة عرض الأزياء

بقلم: دانا أسدي
ولدت ونشأت في البصرة، العراق وقضيت بداية حياتي في مدينة الحب والشعر. حصلت على حصتي من الذكريات كأي طفل ولد خلال فترة مشقة السنوات الثماني للحرب العراقية/ الايرانية، حيث انتهت الصداقات بسرعة، وكان الدخان والغارات الجوية هي خلفية حياتي اليومية، هي للأسف طفولة أي عراقي إذا سألتني. كنت وما زلت بالرغم من كل ذلك، شخصًا متفائل دومًا يمكنه إسكات الضوضاء بتركيزه على جمال المنقوصات حولنا، نوع الفتاة الحالمة والتي تنظر للنصف المملوء من الكأس.
غالبًا ما أجد نفسي أتساءل من وما الذي ألهمني أن أصبح ما أنا عليه اليوم؟ ما هو الشئ الذي تأثرت رحلتي به؟ هل كانت شناشيل مدينتي العتيقة، حبي للسياب وكتب الأطفال لأحمد شوقي، أم هل كانت مشاهدتي لوالدتي ساعات وساعات وهي تتجهز من أجل الذهاب لعملها؟ منسقة ذلك مع حذائها الجلدي الأصلي الطويل، بلوزتها الشيفون ذات الفيونكة التي يغطيها معطف بتصميم أنيق. كانت والدتي منصة الرؤى خاصتي.
توجب علي، مثل أي فتاة عراقية، أن أتعلم الحياكةن الخياطة، التنظيف وربما الطبخ بينما أحصل على أعلى الدرجات في المدرسة. هذا هو المتوقع منك على المستوى الثقافي، أن تصبحي مثالية! لطالما كنت طالبة من الدرجة الثانية، النوعية التي تفعل أقل ما بوسعها كي تجتاز الأمر فقط. كان حبي الرئيسي هو الرسم، الابداع، التصميم فأكون يومًا هنا والآخر هناك. لن أنسى اليوم الذي بعثت فيه والدتي برسومي إلى برنامج رسم للأطفال على التلفزيون الكويتي في الثمانينيات.

والدا دانا

كانت تهتف بأسمي لتسترعي انتباهي بينما ألهو بالخارج مع رفاقي،
صرخت والدتي: ” أسرعي دانا، إن رسومك تُعرض الآن على التلفاز!”.
كان تناول خطوطي وانتقاد فرشاتي على التلفاز هو غالبًا الأمر الأكثر أهمية في طفولتي، أن يقدر أحدهم أعمالك حتمًا شعور جيد لشئ لطالما كنت شغوفًا به ولم يكن له علاقة بحسن مظهري أو إجادتي للطبخ أو التنظيف أو مدى ارتفاع علاماتي، السبب وبشكل تام أنه في تلك اللحظة كانت لرؤيتي أهمية.
كون العراق بلد غني بالعادات والتقاليد أمر لا يثير الغرابة، ليس على التقاليد أن ترتبط بمكانتك الاجتماعية ولكن بمدى تقديرك للحرفة، أن ترى الفتيات الشابات يغزين سوق الأقمشة، يقسن، يتفحصن، يتفقدن ويساومن لشراء القطعة المثالية من القماش لمناسبة ما هو أمر كان ولا يزال مشهدًا مألوفًا.
كانت والدتي وخالتي “سعاد” من أكثر النساء تأثيرًا على حياتي، قويتان، مقدامتان، مستقلتان وخلّاقتان. علمني كلاهما كيفية إيجاد قطعة القماش المناسبة، أسلوب قصّها وضبط أنماط التصميم، ان أكون صَبُورة حيال رؤيتي، أخبرانني: “قومي بِكَي القطع دومًا قبل أن تبدأي بخياطتها بالماكنة.”
مرت السنين وكان كتاب التصاميم الخاص بي لا يزال أغلى ما أملك، بالاشتراك مع أحلام اليقظة بينما كنت أنتظر يوم تخرجي من الثانوية، اليوم الذي سيجعلني جزءًا من العقول الخلّاقة في جامعة الفنون الجميلة، للأسف، لم يكن ما أحلم به واقعي. تخرجت من ثانوية دجلة للبنات عام 1995 بدرجات تؤهلني لدخول كلية الهندسة (تذكر أنني طالبة من الدرجة الثانية) مجددًا، واجهتني توقعات مجتمعي، تمامًا كسائر بنات جيلي. الفتاة الصالحة هي التي تطبخ، تنظف، تخيط، تحيك، تحافظ على علامات عالية تجعلها تصبح طبيبة أو مهندسة، كل هذا بينما كان عليها أن تبدو كحسناء، هذا هو الكمال بعينه!
كان عراقي مكسورًا، والناس متضررين ماديًا. شحة الطعام والفرص كانت هي السائدة بعد حرب عاصفة الصحراء، لم تكن عائلتي تختلف عن العوائل الأخرى التي تغير حالها من جيد إلى معدم في عشية ليلة وضحاها. كانت ذكرى مغادرة العراق في نهاية عام 1995 هي الأكثر ألمًا، هجر الاصدقاء، الأحلام وكل الأماكن التي ألفتها نحو الشروع في فتح صفحة جديدة من المجهول لأمر حتمًا مريع.
أصبحت ليبيا واقعي الجديد، قمت بحشر أحلامي في مؤخرة رأسي بعيدًا ومضيت في حياتي. تخرجت بعد مرور خمس سنوات من جامعة قاريونيس في ليبيا بشهادة في الفيزياء، انتقلت بعدها إلى عمان، الأردن لأكمل دراستي وأحصل على شهادة الماجستير في الفيزياء النووية.
التقيت في 2003 بحب حياتي ونصفي الآخر، تزوجنا وانتقلنا إلى الولايات المتحدة الأمريكية. الولايات المتحدة، المقاطعة المجهولة الجديدة بالاحتمالات الغير معروفة واللا نهائية حتمًا. بدأت وبالقليل من الحب أو بدونه بالتدريس، شرعت في استكشاف النمو التكنولوجي المتزايد في الألفية الجديدة بالشرق الأوسط مع شريك حياة داعم وفي مسؤوليتي طفلين، بدأت بمواصلة إدارة مشروعي التدريبي، تطوير السوفت وير، أدوات الأتمتة وتوجيهي الحيوي كذلك. كانت التكنولوجيا هي طوق نجاتي، جعلتني أعود كما كنت وزودتني بحس الانتماء لمجتمع مبدع، مجتمع يدعم الأفكار ويفهمها لتتحول إلى إنتاجات قيِّمة. بقيت على الهامش، أتعلم، أستوعب وأطرح أسئلة بلهاء وذكية على طول الطريق، بلا كبرياء أو تراجع. كنت باستخدامي لكل تلك المعرفة التي حصدتها من المحظوظين لأن أصبح أحد الأعضاء المؤسسين لشركة SAS الصغيرة في شيكاغو والتي نَمَت خلال ثلاث سنوات لتنطلق من احتوائها على ثلاثة موظفين إلى 200 بلائحة عملاء ضخمة وبعد ثماني سنوات من التنمية المجتمعية، كانت الشركة قد استحوذ عليها من قبل منافس آخر فقررت أن أنضم إلى الشركة الناشئة المقبلة في مجتمع الشركات بشيكاغو. وباستمرار التدريب وتغيير طريقة التفكير كنت قد أصبحت خبيرة في فريق التسارعات واستراتيجية تسليم المنتجات، دون أن أنتبه لذلك!
تزامن هذا مع اصطدامي بالزوبعة، كنت إمرأة في منتصف العمر مع ثلاثة أطفال ووظيفة بأجور مرتفعة دون تحقيق ذاتي. أرادني المجتمع أن أكون مغتبطة حتى سن التقاعد ولكن ذهني لم يتمكن من التصالح مع ذلك، أردت المزيد!
كان سن الأربعين هو نقطة تحولي، اللحظة التي إما أستغلها أو أفوتها للأبد، بتفتيشي بين أحلامي القديمة تلك، ووضعي لتطوير المنتجات على المحك. توقفت عن قول “يومًا ما سأصبح مصممة أزياء” لأنني 2017 كان عامي وكنت في طريقي للاستحواذ عليه، إن أسوأ ما كان سيحدث هو أنني قد أخفق، على الأقل سيمكنني أن أقول “حاولت وفشلت” تذكروا الفتاة التي تنظر للنصف المملوء من الكأس.
أسست شركة أزياء بالعلامة التجارية الخاصة بي، أسدي، بدأت بعينات لمعرفة ما يرغب به السوق للأصدقاء والعائلة، طلبت النساء تصاميمي لأنها كانت مميزة، بدت قوية مع ذلك أنثوية. أسست شركة أسدي للمرأة العملية المستعدة للسيطرة والتفوق على الحياة بينما تبدو رائعة وهي تفعل ذلك! استخدمت القصات العريضة بالاضافة إلى تطريز معقّد، تجسيدًا لكل سيدة من مدينتي الحبيبة، السياب، آخر آثار للشناشيل لمدينتي الجميلة البصرة، في سومر حيث حكمت الآلهات بالحب والحرب في آن واحد، أم هل كانت والدتي وراء كل ذلك بكل بساطة؟ أيّما يكن السبب، أنا اعلم أنني وجدت ذاتي للمرة الأولى في سن الواحد والأربعين.
شاركت تصاميمي، بمحاولتي استجماع شجاعتي على موقع انستاغرام. حالما حصلت تصاميمي على اهتمام مصممي المشاهير المرموقين ومجال الأزياء في نيويورك حيث أطلقت أول نشاط لي في أسبوع نيويورك للموضة وأسبوع باريس للموضة. أعتلت تصاميمي خلال سنة واحدة، صفحات مجلات الأزياء الراقية مثل فوغ (المملكة المتّحدة)، فوغ (إيطاليا)، جنتلمان كوارترلي، مجلة إيل إم، هاربرز بازار وأخرى عدّة. لم أعلم أنني أحمل تلك الموهبة حتى حاولت.
يمكنني الوقوف والنظر بعيدًا للماضي في اللحظات العديدة التي اشفقت فيها على نفسي وفقدت أحلامي، عندما لُمتُ العالم والحياة على فرص كثيرة ضائعة لأُدرك أنني لم أخسر شئ حقًّا. كانت الحياة، الرب والكون يوجهونني، يعلمونني طوال الطريق كي يجهزونني لمنصة عرض الأزياء.
ترجمة: لبنى جمال

Leave a Reply

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

Translate »