التأقلم مع تغيرات الحياة:

* بقلم قمر

كوني فتاة ولدت في المغرب واضطررت للإنتقال إلى نيوزيلندا في أقصى أنحاء العالم وأنا في سن المرهقة، حيث أمضيت شبابي هناك وتعلمت أهم شيء في الحياة ، وهو كيفية التأقلم مع التغيير الذي لم يكن مخططاً له. لقد تعلمت أن الـتأقلم مع التغييرات حينما كان فعل ذلك من أصعب الأشياء.

كان عمري خمسة عشر عامًا تقريبًا عندما قررت أمي الذهاب إلى والدي في نيوزيلندا. في ذلك الوقت كان والداي منفصلين منذ أربعة عشر عامًا تقريبًا. وكان والدي قد غادر عندما كنت طفلاً. عشت في المغرب مع أمي وأخي الأكبر وكان لدينا حياة مدهشة بين عائلتنا المغربية التقليدية الكبيرة.

أمي امرأة قوية تعمل بجد. تمكنت دائمًا من تأمين الطعام والملابس وسداد إيجار منزلنا. حتى أنها في بعض الأحيان تمكنت من أخذنا للتنزه بالعطلات. وعلى الرغم من الصعوبات التي واجهتها كإمرأة وحيده في بلد فيه الأدوار الاجتماعية أكثر تحديدًا لكل نوع، حيث كانت وجهات النظر التقليدية للمجتمع الأبوي بارزة، فقد تمكنت والدتي من توفير كل ما نحتاجه كأطفال.

كان اليوم الذي انتقلت فيه إلى نيوزيلندا هو اليوم ذاته الذي قابلت فيه والدي بعد 14 عامًا من الانفصال. في الوقت الذي كان من الصعب جدًا بناء رابطة معه نظراً لغيابه عني طوال حياتي حينها. ولكن بالتأكيد مع مرور السنوات تعرفنا على بعضنا البعض، وتطورت علاقتنا ومازال ترابطنا يزداد قوة.

يكمن السبب في ذكري لقصتي وأنا صغير هو أنه أثر في تكويني لأصبح المرأة التي أنا عليها اليوم. لطالما كانت والدتي مصدر إلهام ونموذج يحتذى به في كون المرأة القوية. إن انتقالي إلى نيوزيلندا للعيش مع والدي في مكان أجنبي مع ثقافة أجنبية ولغة أجنبية علمني المعنى الحقيقي للتغيير.

باعتباري مهاجرة تبلغ من العمر أربعة عشر عامًا في بلدة صغيرة تدعى أوريوا، كنت ضائعة، ووجدت أنه أمر مروع تقريبًا أن اتأقلم مع هذا الوضع الجديد، وأن أتعلم لغة جديدة وأكون صداقات جديدة مع أشخاص لديهم وجهة نظر مختلفة عن الحياة.

كان جزء من مواجهتي للأمر هو أنني كنت أعود إلى منزلي كل يوم بعد المدرسة، وأنغلق على نفسي في غرفتي، وأترجم الأفلام والكتب والأغاني وكتابة المقالات حتى أتمكن من فهم اللغة الجديدة. كنت حريصة على تكوين صداقات جديدة والطريقة الوحيدة التي ستمكنني من ذلك هي النجاح في تعلم اللغة الإنجليزية، لذا فقد كرست مجهودي لها ونجحت فيها.

لم تكن فترة الدراسة بالمرحلة الثانوية سهلة، فقد اضطررت إلى العمل والتعلم بضعف قدرتي من أجل اللحاق بمستوى الطلاب الآخرين. لكن على الرغم من كل الأوقات العصيبة التي مررت بها في ذلك، إلا انني تمكنت من تكوين بعض الأصدقاء العظيمة والدخول إلى أفضل جامعة في البلاد.

كنت منجذبة بالفطرة إلى التصميم والإبداع والأفكار المبتكرة ولذا قررت أن أكون مهندسة. في البداية لم أكن أعرف المجال الهندسي الذي كنت أصبوا إليه. فقضيت سنتي الأولى في التجربة، ومرة أخرى شعرت أنه كان علي أن أتأقلم مع مناخ اجتماعي جديد حيث كان العنصر الذكري يسيطر علي جميع صفوفي. كنت الفتاة الوحيدة في معظم الصفوف وخلق ذلك تحديًا جديدًا شجعني على الاستمرار والتفوق بشكل أكثر . شعرت أن التحدي الذي أمامي هو معرفة كيف أجعل نفسي على حد السواء مع زملائي الذكور.

عندما دخلت حياتي المهنية ، أصبح الوقوف من بين الحشود قوتي العظمى. وأثناء دراستي لدرجة الماجستير، حصلت على وظيفة في إحدى شركات التسويق في نيوزيلندا حيث بدأت بطبيعة الحال في قيادة فريق التواصل الاجتماعي. طورت حلولًا للعملاء لتحسين حضورهم الاجتماعي. حيث ساعدتني كثيراً خلفيتي متعددة الثقافات والخبرات السابقة كشخص مهاجر واجه تغييرات الحياة بشكل مستمرة في فهم جماهيرهم وإنشاء محتوى يمكنهم ربط عملائهم به.

بعد التخرج، إتخذت قرار جرئ وانتقلت إلى لندن بحثاً عن المزيد من التغيير. كان معي ما يكفي لشهر واحد من نفقات المعيشة ولم اكن أملك وظيفة. تمكنت من إيجاد فرص عمل مذهلة واختيار واحدة تناسب شغفي. أنا مؤمنة بشدة بحقيقة أن الكون يتحالف لمساعدتك في تحقيق الأشياء التي ترغب فيها حقًا عندما تعتنق التغيير، وتقبل الدروس العظيمة التي تلقيها عليك الحياة. كان التغيير والتعديل دائمًا جزءًا كبيرًا من حياتي. وإن أمر كيفية اختياري للتعامل مع التغيير ، هو أمر مرتبط بكل دروس حياتي المستفادة من التجارب السابقة والتجارب الحياتية.

واليوم لا يوجد اختلاف، كوني شابة عربية من النساء العرب في الغرب، استمررت في التعلم عن كيفية التأقلم مع التغييرات والتعامل معها مما تعلمته في حياتي الشخصية والمهنية كما انه أحيانًا لا يكون التأقلم هو الحل. فيمكن أن يقودنا التغيير إلى حريتنا ويعطينا فرص أخرى.

Leave a Reply

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

Translate »